الشيخ محمد رشيد رضا

146

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المصاحبة للعمل ملكة المراقبة للّه تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه ، وفي هذه المراقبة من كمال الايمان باللّه تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل ها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ، ولسعادتها في الآخرة كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضا ، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم ؟ هل يسهل عليه أن يراه اللّه آكلا لأموالهم بالباطل ؟ هل يحتال على اللّه تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه ؟ هل يحتال على أكل الربا ؟ هل يقترف المنكرات جهارا ؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين اللّه ستارا ؟ كلا ؟ ان صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن اللّه تعالى ، وإذا نسي وألمّ بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة ( 7 : 201 إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) فالصيام أعظم مرب للإرادة ، وكابح لجماح الأهواء ، فأجدر بالصائم أن يكون حرّا يعمل ما يعتقد أنه خير ، لا عبدا للشهوات انما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه اللّه تعالى . وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق عليها كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن - قالوا أي من الصغائر ، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لان الصائم احتسابا وإيمانا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيما قبل الصوم ، وقوله في الحديث القدسي « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » وفي حديث آخر « يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي » رواهما البخاري وغيره وقد شرح الأستاذ الامام في هذا المقام حال أولئك الغافلين عن اللّه وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدا ، وذكر بعض حيل الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه كالادنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الاخلية حيث تأكل الجرذ ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك